Showing posts with label إسلاميات. Show all posts
Showing posts with label إسلاميات. Show all posts

Tuesday, August 6, 2013

خيرية الأمة

تناولنا في مقال سابق جوانب من وسطية الأمة الإسلامية، وأكدنا أنه لا وسطية إلا بالمحافظة على العمل بهدي خاتم النبيّـين صلى الله عليه وسلم والاستقامة على سُنّـته.. وأي انحراف عن هذه الجادّة، هو انحراف عن مسار الأمة الوسط، قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران:110].
وفي هذا المقام يسعنا أن نلقي الضوء على الأمة الخيّـرة التي تشهد على الناس جميعًا، فتـقيم بينهم العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم، وتبدي فيهم رأيها، فيكون هو الرأي المعتمد، وتـزن قيمهم وتصوّراتهم وتقاليدهم وشعائرهم، فتفصل في الأمر، وتقول: هذا حق، وهذا باطل.
 والرسول صلى الله عليه وسلم يقرّر لها موازينها وقيمها، ويحكم على أعمالها وتقاليدها، ويزن ما يصدر عنها، ويشهد عليها، ويقول الكلمة الأخيرة.
 والتعبير بكلمة «أُخْرِجَتْ» يلفت النظر، وهو يكاد يشي بالقدرة اللطيفة، تُخرج هذه الأمة إخراجًا، وتدفعها إلى الظهور دفعًا من ظلمات الغيب، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله تعالى. إنها كلمة تصوّر حركة خفيفة المسرى، لطيفة الدبيب.. حركة تُخرج على مسرح الوجود أمّـةً وسطًا، ذات دور خاص، لها مقام خاص، ولها حساب خاص، وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة الإسلامية، خير الأمم، لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها «أُخْرِجَتْ» لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها خير أمّة، والله عزّ وجلّ يريد أن تكون القيادة للخير لا للشرّ في هذه الحياة. ومن ثم لا ينبغي لخير أمّـة أن تـتلقّى من غيرها من أمم الأرض قاطبة، وإنما ينبغي دائمًا أن تعطي الأمم الأخرى مما عرفـته من كتاب ربّـها، وسُنّـة نبيّـها؛ من الاعتقاد الصحيح، والتصوّر الصحيح، والنظام الصحيح، والخُلق الصحيح، والعلم الصحيح، هذا واجب خير الأمم، يحتّـمه عليها مكانها القيادي، وتحتّـمه عليها غاية وجودها، كما أن من واجبها أن تكون في الطليعة دائمًا، وفي مركز القيادة دائمًا، ولهذا المركز تبعاته، فهو لا يؤخذ ادعاءً، ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلاً له.

وأمتنا بتصوّرها الاعتقادي، وبنظامها الاجتماعي أهلٌ له، فبقي عليها أن تكون بتـقدّمها العلمي، وبعمارتها للأرض -قيامًا بحق الخلافة- أهلاً له كذلك، وبهذا يتبيّـن أن منهج هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير، ويدفعها إلى السبق في كل مجال، لو أنها تـتبعه وتلـتزم به، وتدرك مقـتضياته وتـكاليفه.
 وفي قوله جلّ شأنه: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّـةٍ} ثـلاثـة أوجـه: أحدها: «كان» تامة، فالمعنى وُجدتم خير أمّة، كأنه قال: أنتم خير أمة في الوجود الآن؛ لأن جميع الأمم غلب عليها الفساد، فلا يعرف فيها المعروف، ولا ينكر فيها المنكر، وليست على الإيمان الصحيح الذي يَزَع أهله عن الشـرّ، ويصرفهم إلى الخير، وأنتم تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله إيمانًا صحيحًا يظهر أثره في العمل.
 الوجه الثاني: «كان» ناقصة، والمعنى حينـئذ، كنتم في علم الله، أو كنـتم في الأمم السابقة، كما في كتبها المبشّرة بكم خير أمّة. وقال أبو مسلم: إن هذا القول يقال لمن ابيضّت وجوههم، والمعنى كنتم فيما سبق من أيّام حياتكم خير أمّة، شأنكم كذا وكذا، وبذلك كان لكم هذا الجزاء الحسن. فالكلام عنده تـتمة للآيات السابقة، فكما ذكر فيها ما يقال لمن اسودّت وجوههم، ذكر أيضًا ما يقال لمن ابيضّـت وجوههم.. وقيل غير ذلك.
 الوجه الثالث: «كان» بمعنى صار، أي صرتم خير أمّـة. وإذا فسّـرت «كُنتُمْ» بغير ما قاله أبو مسلم - وهو ما أُرجّحه - كانت الجملة شهادة من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتـبعه من المؤمنين الصادقين إلى زمن نزولها بأنها خير أمّـة أخرجت للناس بتلـك المزايا الثلاث، ومن اتـبعهم فيها كان له حكمهم لا محالة، ولكن هذه الخيريّـة لا يستحقّـها من ليس لهم من الإسلام واتّـباع النبي صلى الله عليه وسلم إلا الدعوى، وجعل الدّين جنسيّـة لهم، بل لا يستحقّـها من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحج البيت الحرام، والتزم الحلال، واجتنب الحرام، مع الإخلاص الذي هو روح الإسلام، إلا بعد القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبالاعتصام بحبل الله، مع اتـقاء التـفرّق، والخلاف في الدّين! {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}؛ ومن ثم نبصر في مقدمة مقتضيات مكانة خير أمّـة؛ أن تقوم على صيانة الحياة من الشرّ والفساد، وأن تكون لديها القوة التي تمكّـنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي خير أمّـة أخرجت للناس، لا عن مجاملة أو محاباة، ولا عن مصادفة أو جزاف، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. إنه النهوض بتكاليف الأمّـة الخيّـرة، بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب، وبكل ما في طريقها من أشواك، وإنه التعرّض للشرّ، والتحريض على الخير، وصيانة المجتمع من عوامل الفساد، وكل هذا متعب وشاق، ولكنه - كذلك - ضروري لإقامة المجتمع وصيانـته، ولتحقيق الصورة التي يحبّ الله عزّ وجلّ أن تكون عليها الحياة.
 ولابد من الإيـمان الصحيـح في حياة الأمّـة ليوضع الـميزان الصحيح للقيم، والتعريف الصحيـح للمعـروف والمنكر، فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي، فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل، ولابد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير والشر، وللفضيلة والرذيلة، وللمعروف والمنكر، يستـند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال.
 وهذا ما يحقّـقه الإيمان في حياة الأمّـة، بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه، وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون، ومن هذا التصوّر تنبثـق القواعد الأخلاقيّة، ومن الباعث على إرضاء الله والبعد عما لا يرضاه، ينـدفع الناس لتحقيق هذه القواعد، ومن سلطان الله في الضمائر، وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك.
 والله الموفق والمستعان.

Thursday, August 1, 2013

سيبقى نور الدعوة ساطعًا هازئًا بالظلام


لن يخمد صوت دعاة الإصلاح في هذه الأمة، مهما قست المحن، واشتدت الأزمات، ولسوف يقيض الله - تعالى - في كل زمان ومكان، مَن يحملون راية الدعوة، وينيرون مشاعلها، ويبذلون من أجل الحفاظ على مبادئها المُهَجَ والأرواح، غير مبالين بمصاعب الطريق، ولا عقبات المسير، سيمضون مستعلين بإيمانهم، معتزِّين بعقيدتهم، ساعين إلى غايتهم، لا تنحني لهم هامة، ولا تلين منهم قَناة، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويبلغون رسالات ربهم، يريدون وجهه، ولا يقصدون أحدًا سواه.

إنهم الفئة الظاهرة على الحق، الموعودة بالنصر والتمكين، والتسديد والفلاح؛ قال – تعالى -: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)).

وتاريخ الدعوة حافل بنماذجَ وعناوينَ من أتباع هذه الفئة وأعوانهم، جاؤوا - خلال مسيرتها - على قدر، فلفتوا الدنيا إلى نور ربها، وعدلوا ما اعوجَّ من سلوك أهلها، وأقاموا ما وَهِيَ من بنيان الفضيلة وصرح الأخلاق، وكانوا العقلَ الجديد الذي استنارت به الأمة، والرئة السليمة التي تنفست من خلالها.

وبذلك انتصر الخير في كثير من جوانب الحياة، وتنبَّهت الأمة إلى الخطر المحيط بها، والمخطط المدمر الذي أُحكم حولها، والأدوات التي أعدت لتنفيذه، ممن استغواهم الشيطان، وجذبهم بريق المال، واستذلهم وهمُ المنافعِ، فارتمَوا على الأبواب والعتبات، وقدموا دينهم، وأخلاقهم، وإرث أسلافهم قربانًا لكرسي، لا يلبث أن ينزع منهم، أو منصبٍ، عما قليل سيحول إلى غيرهم.

ولسنا بحاجة لإعمال ذهن، أو إجهاد فكر؛ لندرك كيف استطاع المخلصون من دعاة الإصلاح أن يُؤدوا واجبهم، وينصحوا لأمتهم، ويجنبوها المزالق والعثار.

نعم، لسنا بحاجة إلى شيء من ذلك، فواقعنا المعاصر خير شاهد على نجاح جهود المخلصين من الدعاة، وانتشار أفكارهم ومبادئهم، برغم قسوة الواقع حولهم، وتكالب الأعداء وتكاتفهم ضدهم، وبرغم استسلام الأمة لليل مظلم طويل، جثم فيه الاستعمار المادي والفكري على الصدور، فكمم الأفواه، وعطل الطاقات، وخلط المفاهيم، ووضع من الوسائل ما حسبه كفيلاً بدفن الأمة، ومسخ هُوِيَّتها، والقضاء عليها قضاء لا نهوض معه، ولا حياة بعده.

وكان أبرز وسائلهم المدمرة ما أوجدوه من تلك المذاهب والمدارس الفكرية المنحرفة في نشأتها، وسلوكها، وفَهْمها، وأصل عقيدتها، والتي انساق وراءها عددٌ كبير من أبناء الأمة بمختلف شرائحها وطبقاتها.

وهمْ بين ماكرٍ مضلٍّ، بصير بدرب الغَوَاية والضلال، يخطط لتقويض أركان هذا الدين، وتشويه جماله، وطمس معالمه، مندفعًا وراء أحقاد دفينة، وثارات موروثة، وبين مخدوعٍ ضعيف الفكر، قليل العلم، حائر بائر، لا يميز منكرًا من معروف.

وإنك واجدٌ بين هذين الصنفين طرازًا آخرَ، همُّه المصلحة والانتفاع، يمتطي متن كل موج؛ ليبلغ الشاطئ المقابل، حيث توزع الغنيمة، ويقسم الفيء، وما عليه بعد ذلك في أي وادٍ هلك الناس.

قدر الله غالب:
ولقد مضت سنة الله - تعالى - أن لا يذر المؤمنين على حالة تسوءُهم؛ حتى يميز الخبيث من الطيب، ثم يتولى أولياءه بالعناية والرعاية، والهداية والتسديد.

وتحققت سنة الله هذه في مطلع قرننا هذا - القرن الواحد والعشرين - فصَحَتِ الأمةُ على أصوات البررة من المخلصين من أبنائها، مبشرين ومنذرين، فجَأَها الصوتُ؛ بل أذهلها، فاستغربتْه بادئ ذي بدء، لقد بَعُد عهدُها بسماعه؛ حتى نسيته أو كادت، لكنها ما لبثت أن تيقظت منها المشاعرُ، وتنبهت الفطرة، وألقت القلوب السمعَ، فإذا الصوت صوتُها، وإذا المنادي ذاتُها، وإذا المطلب هو أمنيتها، فكيف لا تستجيب؟!

وبدأت المسيرة خلف الحادي الجديد هادئةً رتيبة، هي للضعف يومئذٍ أقرب منها للقوة، لكن الله - تعالى - شدَّ أزر الضعيف وقوَّاه، وبارك في القليل فكثره ونمَّاه، فغدت دعوة الإسلام في القرن العشرين صوتًا جديدًا، نابعًا من ضمير الأمة وعقيدتها، ارتفع حين خفتت الأصوات، وصدع بالحق عندما سكتت الألسنة، وأحيا فريضة الجهاد بعدما أُغمدت السيوف وأُلقيت النصال، وقدم البذل والتضحيات في زمن الشح والانطواء، وجدد الأمل بالعزة والنصر، وقد سئم الناس، وانعقدت القلوب على اليأس والقنوط، فليس ثمة غرابة أن تلتف الصفوة من أبناء الأمة حول باعث الأمل، ومجدد الرجاء.

ثمرة الإخلاص: 
ومضى الركب راشدًا، يُحْيي معالم الدين، ويبشر بإشراقة مستقبله، ويدعو إلى ظلال كتابه، وعدالة مبادئه.

ولم يمضِ غيرُ يسير حتى غدا للدعوة: "في الإرشاد لسان، وفي الاقتصاد يدٌ، وفي الجهاد سلاح، وفي السياسة رأي، وفي التربية والتعليم أثر، وغدا لها في كل بلد من البلدان أتباع، وفي كل قطر من الأقطار أشياع، وما يقظة الوعي العام في حواضر العالم وقراه إلا شعاع من هذه الروح، بدأ يطرح ثماره، ويؤتي أُكُلَه، وسيكون له نبأ بعد حين".

واجب أبناء الدعوة:
إنه لَتركةٌ مباركة، وإرث عظيم هذا الذي خلَّفه رجال الرعيل الأول، بعد سعي ناصب، وسهر دائم، وصبر على البلاء في ذات الله.

ولن يقوى على صونه وحفظه، إلا مَن تحلَّى بأخلاقهم، واهتدى بفعالهم، فصبر على ما صبروا، وآثر ما آثروا، وحرص أن يتم البناء على النهج القويم، والخطة المثلى، بعيدًا عن جلبة الأصوات، وبهرجة الأضواء، وإبراز الذات، فلن يثمر عمل بغير الإخلاص وحسن النية.

حراء شمس متجددة

 ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1].
 
مع كل صباح تَزحَف أشعة الشمس ببُطءٍ وهدوء مبدِّدةً بَقايا الليل المظلم، مُعلنة عن مَولد نهار جديد.

وأكثر الناس لا يَملكون الوقت، وليس لديهم الباعث ليُراقبوا زحْف أشعة الشمس، وهي تكتسح رُكام السحب وجبال الغيوم؛ لأنهم يعلمون أن الشمس لا بدَّ أن تَنتصر، وأن النور لا محالة قادم، ولأنهم - كذلك - ألِفوا تداولَ الليل والنهار؛ خضوعًا للسنة الكونية في كل يوم.

وهكذا تمضي سنة التداول في الزمان - دون فعْلٍ إنساني - فيعقب الليل النهار، ويعقب النهار الليل، وهكذا الأمر في الظلام والنور، والشتاء والربيع.

وقد يطول ليلُ الشتاء، لكن مجيء الربيع حتميةٌ كونية، وقد تسود جحافل الظلام في غياب "النور"، لكنَّ سنة الله الكونية لا تتخلف، فسَرعان ما يعود "النور" إلى الظهور!

وهنا يظهر الفيصل بين السُّنتين "الطبيعية الكونية" و"الاجتماعية الحضارية"، فعلى الرغم من وحدة القانون، فإن الفعل الإنساني له دورُه المؤثِّر في سُنة التداول الاجتماعية الحضارية.

الربيع الحضاري:
ففي حالة وجود الفعالية الإنسانية، والالتحام الإنساني الواعي بالسنة الطبيعية، والالتزام بثوابت الوحي وتوجيهاته العليا، في هذه الحالة يَنجح الإنسان في إطالة فترة "الربيع الحضاري"، ربيع الازدهار والعطاء، وتمتدُّ بالتالي مساحةُ النور عبْر الخريطة الإنسانية.

وعلى العكس، فعندما تُسيطر السكونية السلبية، ويُصبح الإنسان مجرد جزءٍ من الزمان، يمتد الشتاء بقَسوته وظلامه، وتنكمِش مساحة النور، وتَذبُل سريعًا أزهار الربيع!

وهنا يتألق دور المؤمنين الفاعلين من خريجي مدرسة "حراء"، التي هبَطت عليها أشعة شمس القرآن الأولى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1].

إنهم مطالَبون بالتغيير والتعمير والحركة باسم الله، ومطالَبون برفْض الجمود الذي يَجعلهم كأنهم بعض الزمان وخارج الحضارة والتاريخ، ينتظرون - وهم قاعدون عاجزون - دورة السُّنة الطبيعية في التداول، دون أن يعملوا على تحقيق التكامل بينها وبين السنة الاجتماعية: سُنة التغيير الداخلي انطلاقًا للتغيير الخارجي؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11].

إنهم - لو كانوا مؤمنين حقًّا - أسمى من أن يصبحوا جزءًا من الصيرورة والزمان، إنهم في حقيقتهم محرِّكو قطار التاريخ الحضاري، وقادة "النور".

وهم القادرون قبل غيرهم على حمْل مشاعل الوحي وأضواء العقل، وبالتالي هم الذين يستحقُّون "الاصطفاء"؛ ليحقِّقوا "الشهادة" على الناس، ويبْلغوا مرتبة "العباد الصالحين الوارثين للأرض"؛ ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 110].

وحتى لو عثَرت بهم أحجار عبر مسيرتهم في التاريخ، فهم - مع ذلك - المؤهَّلون للأَوْبة والبعث والإقلاع، مهما تطُل غيبتُهم عن مسرح الحضارة والتاريخ.

إن لهم معالِمَ يهتدون بها، ولهم ثوابتَ من الوحي - لا يأتيها الباطل - تأخذ بأيديهم إلى التي هي أقوم.

لقد غاب المسلمون حضاريًّا منذ عدة قرون، فتقدم الأوربيون - في الفراغ - وقادوا الدنيا بالعقل وحده، ونظروا بعين المسيح الدجال، وكالوا بمكاييله، وقاسوا الأمور بمعاييره المزدوجة، وزعموا أنَّ لهم "جنَّةً" هي حضارتهم المادية الشَّيئية، ولهم "جهنم" اخترعوا لها صورًا من الدمار!

وقد قدَّموا - وهذا لا يُنكر - خدمات علمية، لكنهم أتعسوا الإنسان بالدنيوية والعنصرية والحروب لأتفه الأسباب، وباختراع قوانين الصدام ونظرياته المتهافتة (!)، وتُوشِك البشرية التي حفروا لها القبور - حسْب مقولة "رجاء جارودي" - أن تنْتحر انتحارًا جماعيًّا عولميًّا، وتَفقد ذاتها ودنياها وآخرتها.

فلا بدَّ أن يستيقظ المسلمون، وأن ينفُضوا الغبار عن أجسادهم وعقولهم، وأن يخرجوا من الكهف، متلطِّفين في خروجهم، حُداةً على آمال الإنسانية، وحُماةً لها من الانتحار والدمار، بالحكمة والقدوة والحوار.

ولا بدَّ أن يعود معنى الصلة بين السماء والأرض، ذلك الذي تألق في "حراء" ذات يوم من سنة 610م، معلنًا عن ميلاد جديد للإنسانية، فما أحوج إنسانيَّتنا المعاصرة أن تُولَد من جديد! وأن تقرأ من جديد ﴿ بِاسْمِ رَبِك ﴾، لا باسم المادة أو الصراع أو العلم الذي لا ينفع، والذي لا يخشى علماؤه الله!

لقد عاش المسلمون أكثر من عشرة قرون منذ هبَطت عليهم ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]، سادة الحضارة - كما يقول أكبر مؤرخي القرن العشرين "ول ديورانت" - وبهم بدأت الحضارةُ دورةً إنسانية جديدة تخلَّصت فيها من ظلامٍ استمرَّ عشرة قرون، هي "القرون الوسطى" كما يقولون، بل تخلصت من ظلام هيمَن على الحضارة الإنسانية عشرات القرون قبل ظهور العصر القرآني، في ظل حضارات وثنيَّة وأسطورية واستعلائية، لم تَقدر الله حق قدره إلا في القليل النادر من الزمان، بينما اخترعت مئات الأصنام والأوثان، وخضَعت لها خضوع العبيد فاقدي الوعي والإحساس.

وعندما نزلت: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1] في حراء، كانت شمسًا جديدةً تُطِلُّ على الكون، جامعةً في نسيجٍ واحد بين قراءة الوحي والعقل والكون، فتحَقَّق لأول مرة في تاريخ الحضارات رسم خريطةٍ تتناغم فيها الربَّانية والإنسانية على امتداد إشعاعات الوعي الإنساني.

وما كان ممكنًا قبل هذا الحدث الفارق أن تكون هناك حضارة إنسانية تتصل فيها الأرض بالسماء، من خلال وسائل تتحدَّد فيها العلاقة الواضحة بين "الله" المعبود الخالق وبين "الإنسان" العابد المخلوق.

لقد كان "الكون" قبل هذا الحدث الذي وقَع في "حراء" معبودًا يخشاه الإنسان، ويتقرَّب إليه بشتَّى القرابين ووسائل التعبير الدالة على الخضوع والخوف والعبادة، فجاء "العصر القرآني" يضع الكون في مكانه الصحيح كونًا مسخَّرًا للإنسان؛ ليستخدمه الإنسان لتحقيق العبودية لله، وتعمير الأرض باسم الله، ولتسبيح الله، وبالتالي أصبح الكون الذي كان في الوعي الإنساني الوثني معبودًا "عابدًا"، خاضعًا للبحث والاكتشاف والتسخير، ورجع الكون في الوعي الإنساني إلى حجمه الصحيح؛ مفعولاً به، وليس فاعلاً، مطبعةً لا طابعًا، نقْشًا لا نقَّاشًا، متحفًا ومعرضًا لإظهار تجلِّيات الخالق العظيم الذي استخلف الإنسان وعلَّمه الأسماء كلها، وزوَّده بالوحي والعقل والإرادة.

الإسلام والتعامل مع الكون:
وما كان ممكنًا قبل هذا التحول الذي قدَّمه الإسلام في التعامل مع الكون، أن تكون هناك حضارة إسلامية تمثل منعطفًا جديدًا في تاريخ التمدُّن الإنساني، وما كان ممكنًا - كذلك - أن تكون هناك حضارة أوروبية أو رُقيٌّ إنساني، بينما الكون معطَّل عن التسخير، يحتلُّ مكانةً "مقلوبة"، فتتعطَّل مع وضعه المقلوب ملكات الإنسان، وبالتالي لا يجد الإنسان عالم "الآفاق" الذي يُحقِّق من خلاله شروط الاستخلاف.

لقد نجح المسلمون "السلف" خلال مدة تزيد على عشرة قرون - كما ذكرنا - في أن يقدموا حضارةً معتدلة الموازين والقيم، تتكامل فيها ثوابت الوحي مع حركة العقل مع الرؤية الرشيدة للكون والحياة.

فلما اختلَّ الميزان في أيديهم وفقَدوا مؤهلات القيادة الحضارية، وخَلَفَ من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصلاة واتَّبعوا الشهوات، وأهملوا العلم والعمل، وفقه السنة الكونية والاجتماعية - أخذ منهم الأوربيون القيادة، فتحرَّكوا بالعقل وحده، مؤلِّهين "المصلحة" و"المادية" في إطار الفرد والمذهب الفردي طورًا، وفي إطار الجماعة والمذهب الجماعي طورًا آخر، وكانت الآخرةُ والروحُ والجوانبُ الدنيوية بعيدةً كل البعد عن التنظير والتخطيط والتطبيق هنا وهناك، فعادت سفينة البشرية تَجنَح إلى الغرق من جديد، وسيطرت "القوة"، ومع القوة "الظلم"، ومع الظلم "ازدواج المعايير"، ومع اختلال الموازين سيطرت "العنْصرية" و"الأنانية"، فارتفَعت بالتالي رايات الصدام والشقاء، وانخَفضت رايات التعارف والسعادة.

وهنا - وعند هذا المَحاط - لم يَبق إلا أن يعود المسلمون إلى القيادة من جديد، متجاوزين عصر الانحطاط، دخولاً في دورة حضارية أخرى، ووصولاً بعون الله إلى عصر الشهادة على الناس، والخيرية، والقيادة الحضارية للإنسانية!

وكما خرج "النور" من "حراء" عندما هبط الوحي، معلنًا بداية العصر القرآني، "عصر تكامل القراءات السماوية والكونية والعقلية"، كذلك ينبغي أن يتمثل المسلمون في دورتهم الحضارية الجديدة معاني البعث القائم على القراءات المتناغمة المتكاملة السابقة، بلا تعارضٍ أو خللٍ!

شمس القرآن:
ومن هنا ينبغي النظر إلى شمس القرآن بعين جديدة "أصيلةٍ معاصرةٍ"، لا تُهمل الماضي ولا تتجاهل المستقبل، وفي هذا المقام قد نجد بين أيدينا عددًا رائعًا من الرُّؤى التي لا يمكن الغضُّ من قيمتها، ولا الانتقاص من قدر أصحابها، هؤلاء الأعلام الذين حاوَلوا بعْث الأمة من خلال الحياة في ظلال القرآن والحياة في فقه السيرة.

بيْد أننا نرى أن لـ"رسائل النور"؛ لبديع الزمان سعيد النورسي - ريادةً خاصة، كما نرى للمشروع الفكري السائر على درب "النورسي"، الذي يقدمه بآلياتٍ معاصرة عملاقة الداعية المصلح الشيخ "فتح الله كولن"، ممثلاً في "النور الخالد"، وفي نحو خمسين كتابًا معه - ريادةً خاصة كذلك.

والمشروعان لا ينفصلان، وكلاهما قدَّم ما يستطيع في ظل الظروف المتاحة، وهما يصبَّان في خندق واحد، ويتَّجهان إلى غاية واحدة.

إنها غاية إنقاذ الإنسانية والمسلمين، من خلال "القرآن" ومن خلال تطبيق النبي الكريم للقرآن على الواقع، وهو النبي الكريم الذي كان "قرآنًا" يمشي على الأرض، والذي كان "خلقه القرآن" - قولاً، وفعلاً، وتقريرًا - بعيدًا عن "المثالية" العاجزة عن التطبيق، والتي حلَم بها الفلاسفة الطوباويون، وأيضًا ارتفاعًا بمستوى "الواقعية" التي يَهبِط بها إلى "الحيوانية" الواقعيون.

لقد قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - واقعيةً ترتفع إلى قريب من شمس "النور الخالد"، شمس المثالية الإنسانية التي لا يمكن أن يصنعها إلا كتاب الله - فكرًا، وتربيةً، وتنظيرًا - وسيرة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - فعلاً، وحركةً، وتطبيقًا.

وبالفكر القرآني والتطبيق النبوي تتحقق الحضارة الإنسانية التي انطلقت من "حراء"، بعد أن هبط بها جبريل - عليه السلام - من السماء؛ ﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [النور: 35].

وعلى المسلمين استئنافها اليوم مُستعينين بالله، وما ذلك على الله ببعيد!

Tuesday, July 30, 2013

العقل وحرية التفكير في الإسلام



في أي محكمة هناك محاميانِ؛ أحدهما يدافع عن الحق، والثاني عن الباطل، وكلاهما يستخدم العقل!

من المستهجَن القول:
إن العقل تابع دومًا، هل يُعقل حقًّا أن يكون العقل ظلاًّ تابعًا على الدوام لجهة أخرى؟ وما هي تلك الجهة؟ أم أنها جهات؟

كتب "جودت سعيد" مرة: "إن العقل ليس آلة؛ وإنما وظيفة"، ولم يَرِد العقل في القرآن بصيغة الاسم؛ وإنما ورد بصيغة الفعل، مثل (يعقلون، عَقَلوه، نَعقِل، يَعقِلها)، والعقل مثل اللغة: مهارة يتعلَّمها الإنسان، واللغة تتبع متكلِّمها دومًا، فمن الممكن أن تحملَ العلم في ألفاظها أو الجهل، ومن الممكن أن تدافعَ عن المظلومين في العالَم، أو تقتل بحروفها المزيدَ من الأبرياء.

وعلى غرار ذلك، فالعقل يمكن استخدامُه في الحق أو في الشر، هذا يبقى على المنهج الذي تم استخدام العقل داخله، وحريةُ العقل من حرية المنهج، والقرآنُ الكريم يتحدَّث عن سبعة مناهج تستعمل العقل، وهي:
1- الهوى: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الروم: 29]، فمن الممكن استخدام العقل في تبريرِ أهواء النفس؛ مثلاً قد نجد مثقفًا يُناظِر في الدفاع عن الحكم الشمولي؛ ليتقلَّد أحد المناصب في دولته، أو بخيلاً يدافع عن أهمية جمع النقود، أو أستاذًا جامعيًّا يغضُّ النظر عن أخطاء الإجابة في ورقة طالبةٍ جميلة، ويتشدَّد مع الأخطاء في ورقة أخرى.

2- الظن: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ [النجم: 28]، يمكن اعتبار الظنون كالفرضيات البحثية؛ أي: إنها معلومة لم تثبت صحتها علميًّا؛ كنظرية "داروين" في نشوء الخلق، أو أنها في طور التأكُّد من صحتها؛ كفرضية وجود مخلوقات على كواكب أخرى، أو أنها كانت فرضية، لكن تمَّ التثبُّت من صحتها؛ كفرضية وجود الماء في المريخ، وهنالك من العقول ما يتَّبع الظنَّ في حالتيه السلبيتين؛ أي: قبل أن تصبح الفرضية علمًا.

3- الآبائية: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 23]، والآبائية صنفان:
آبائية سلبية، وفيها يتَّبع العقلُ كل ما قاله، أو دوَّنه، أو ورَّثه الآباءُ والأجداد، دون مراجعة علمية لصحة ما قالوه، ودون تمحيص واختبار لتَرِكَة الآباء؛ لتثبيت صوابهم، وتصحيح خطأهم.

وآبائية إيجابية، وفيها يتَّبع العقل ما صحَّ فقط عن الآباء، وما ثبت بالتجرِبة أنه نافع.

والثقافة العربية الراهنة تشهد حضورًا للمنهجينِ، فهناك مَن يتعامل مع التراث وَفْق الآبائية السلبية، فيجعلون الماضي سيِّدَ الحاضر، وآخرون يقرؤون التراث فيمتصُّون حسناته، وينأَون بأنفسهم عن سيئاته.

4- اتِّباع السادة وأصحاب السلطة والنفوذ: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ [الأحزاب: 67]، في هذا المنهج يتمُّ إقصاء العقل من قِبَل الأتباع، وتوكيل السادة برسم مصيرهم كما يشاؤون، وبالتفكير بدلاً عنهم، واتِّخاذ القرار نيابةً عنهم، وهذا المنهج مطبَّق بشكل واسعٍ في العالَم العربي، فالشعوب العربية فوَّضتْ أمْرَها لحكَّامها وأنظمتِها؛ لتصممَ عنها مستقبلها، وتقودها إلى الوجهة التي تراها صوابًا، وانسحبت من مسؤولياتها في اتخاذ القرارات المصيرية.

5- اتِّباع رجال الدين: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 31]، وهنا يتنازلُ الأتباع عن حرِّيتهم العقلية، وعن تفكيرهم؛ لمصلحة عقل المؤسَّسة الدينية، وهذا المنهج ساد بقوَّة في أوروبا خلال قرونها الوسطى، إلى أن تمَّ التنبُّه لأخطاره ومساوئه على مستقبل الحياة في أوروبا، فتم إلغاؤه من الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية.

6- اتِّباع الأكثرية: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [غافر: 57]، قالت البشر جميعًا: إن الشمس تدور حول الأرض، وقال رجل واحد العكس، وثَبَت أنَّ الأكثرية المُطلَقة والساحقة أخطأت، والأقلية الضئيلة والمعدومة أصابت؛ لذا فالكثرة ليست دليلاً على الصحَّة والصواب، واتباع العقل لرأي الأكثرية مصادَرة لحرية العقل، وقد يُسبِّب ضياعًا للحق.

7- العلم: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء: 36]، هذا هو المنهج الوحيد الذي يحفظ حرية العقل، ويحميه من أي سلطة خارجية تُحَاول توظيف العقل لمصالحها، وهو المنهج الوحيد الذي لا يخطئ العقل فيه؛ لأنه يتجرد عن الذات، ويتَّبع قوانين ثبت صحتُها بطرق علمية بحتة، ويرفض العقل في هذا المنهج الاعترافَ بنتائج استندتْ إلى فرضيات لم تَثبُت صحتها، ونتائج انطلقت من مسلَّمات ليس عليها برهان.

وكل التطوُّر الذي حقَّقه الإنسان، والإنجازات التي صنعها العقل البشري، يعود فضله إلى هذا المنهج دون غيره، ويعاني هذا المنهج في مجال العلوم الإنسانية من ظاهرة تحرُّش الأهواء والظنون والمصالح به، في محاولة جديدة لاستعادة التحكم بالعقل، وتوظيفه لخدمة المصالح المنحرفة، وامتلأت المكتبات بالأبحاث التي تدَّعي العلمية والموضوعية، في حين أنها لا تَعْدُو كونها محاولات تشويش وتضليل للعقل البشري

روعة التشريع في تحكير الوقف

إن لفظة التحكير غالبًا ما يصاحبها اشمئزاز في النفس عند سماعها، وهناك من الأحاديث النبويَّة الشريفة ما يُجرِّم بل يُحرم تحكير السلع والخدمات التي يحتاجها الناس؛ بيد أن عبقريَّة الفقيه المسلم نظرت إلى الأمر بطرق مغايرة؛ حيث رأت أن ثمة حالات يجوز فيها التحكير بل ويُستحبُّ لأجل المصالح المترتِّبَة!

فالحكر عقد إجارة يُقصد به إبقاء الأرض الموقوفة في يد المستأجر بقصد البناء عليها أو غرسها، أو لأي غرض آخر، على نفقة المستأجر بحيث لا يضرُّ بالوقف؛ شريطة أن يدفع المستأجر أجرًا محدودًا، يتَّفِق عليه دون تحديد مدَّة الإجارة[1].
واللافت أن الفقهاء أجازوا تحكير الأرض الموقوفة إذا ضعف عائدها، ولم يُوجَدْ مَنْ يرغب في استئجارها لإصلاحها، فإنه يجوز حينئذ تحكيرها، وقد استند الفقهاء إلى إجازة التحكير على القاعدة الفقهيَّة التي تقول: تنزل الحاجة منزلة الضرورة. وهنا نلاحظ روعة الفقه الإسلامي؛ حيث لم يَقِفْ جامدًا أمام التغيُّرات التي من الممكن أن تطرأ على الوقف، بل بحث عن المصلحة الشرعيَّة؛ وهي استمرار الوقف في عمله، حتى لو ضعفت غلَّة الأرض، أو فسدت بصورة من الصور، فكان هذا التحكير الذي يُشَجِّع المستأجر على إصلاح الأرض أو العقار؛ لكي تتحقَّق الفائدة للجميع؛ لذلك لا يجوز قَبُول تحكير الوقف إلا إذا ارتبط بتحقيقه مصلحة للوقف، وكانت هناك ضرورة لذلك بأن هُدم العقار الموقوف وتعطَّل الانتفاع به، ولم يكن للوقف ريع لإعماره، واستحال إبداله، فحينئذٍ جوَّز بعض الفقهاء تحكير الوقف[2].
وقد يحصل التحكير بإذن الناظر للمستأجر بالبناء أو الغرس أو أي غرض آخر على وجه البقاء والقرار، وذلك بعد إجراء عقد الإجارة وخلال المدَّة المبيَّنَة بالعقد، وتبقى الأرض بيد المستأجر بعد انتهاء مدَّة الإجارة؛ ما دام منتظمًا على دفع أجر المِثْلِ، أي أن المدَّة مفتوحة غير محدَّدة، وهذا ما ذهب إليه فقهاء الحنفيَّة المتأخِّرُون، ولا يصحُّ الاحتكار إلا إذا كان الحكر بأجرة المثل، لا أقلَّ منه على تقدير أن الأرض الموقوفة خالية من البناء -وهو ما يُطلق عليه المسقفات- والغراس -وهو ما يُطلق عليه المستغلات- الذي أحدثه المستأجر (المحتكر) فيها، ولا يجوز أن تبقى الأجرة المتَّفَق عليها ثابتة على حال واحدة، بل تزيد وتنقص حسب الزمان والمكان والعوامل الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المحيطة.
ولم ينسَ الفقهاء قضيَّة زيادة أسعار الإيجار زيادة فاحشة، فإذا زادت أجرة المِثْلِ زيادة فاحشة، فإن الفقهاء يُفَرِّقُون بين نوعين:
[1] إذا كانت الزيادة بسبب العمارة أو البناء الذي أقامه المحتكر في الأرض فلا تلزمه الزيادة.
[2] إذا كانت الزيادة بسبب ارتفاع قيمة الأرض نفسها، أو لكثرة رغبة الناس فيها، فإن الزيادة تلزمه إتمامًا لأجر المثل، فإذا وافق على دفع الزيادة تبقى الأرض معه أو مع ورثته، وإن رفض الزيادة أُخِذَت الأرض منه وما عليها من إنشاءات وإحداثات.
وهنا -أيضًا- صورة راقية من صور المرونة الفقهيَّة؛ حيث لم يضع الفقهاء قانونًا جامدًا لكل المتغيِّرات، بل بحثوا عن المصلحة الشرعيَّة، ولم يلجأوا إلى إهدار مصلحة المستأجر أو الموقوف عليهم، إنما قدَّروا الأمر قدره، فإذا كانت الزيادة في الأجر بسبب إصلاحات المستأجر فلا تلزمه هذه الزيادة؛ لأنه السبب الرئيس في حدوثها، ولو كانت الزيادة بسبب ارتفاع قيمة الأرض فهي حقُّ الموقوف عليهم، ولا يجب أن تُهْدَرَ.

ويجب على القاضي أن يُشرف على تحكير الوقف -سواء كان عقارًا أو أرضًا- إشرافًا كاملاً؛ فإن رأى أن المصلحة لن تتحقَّق إلاَّ بتحكير الأرض الموقوفة أو العقار الموقوف؛ جاز له ذلك، ويجب عليه الاحتراز من أفعال المستأجرين؛ فله أن يُفسخ العقد إن رأى أي ضرر قد يُسبِّبَه المستأجر في الوقف؛ كإتلافه، أو نهبه، أو ادِّعَائه أنه له ولورثته، وإنه مهما طالت مدَّة الإجارة فللقاضي أن يسترجع الوقف متى رأى أن ذلك في مصلحة العين الموقوفة والمستحقين[3].
العدول عن رأي الأستاذ
إنَّ العدول إلى الحقِّ صفة إسلاميَّة أصيلة؛ فلقد كان من الطبيعي أن يستمسك تلميذ أبي حنيفة أبو يوسف ببطلان الوقف ومنعه كأستاذه، لكنه "لَمَّا حجَّ مع الخليفة هارون الرشيد  فرأى وقوف الصحابة رضي الله عنهم بـ المدينة ونواحيها؛ رجع فأفتى بلزوم الوقف"[4].
ولم يكن رجوع أبي يوسف عن رأي إمامه إلا لكونه رأى إجماع الصحابة على لزوم الوقف، لكن أبا يوسف أضاف مع الدليل الإجماعي الذي عاينه المصلحةَ التي تَمَثَّلَتْ في مصلحة المعاد؛ إذ الوقف صدقة جارية ينتفع بها صاحبها بعد مماته، وكذلك مصلحة المعاش، "كبناء الخانات والرِّباطات واتخاذ المقابر"[5].
ولعلَّ الذي جعل أبا حنيفة يقول ببطلان الوقف ومنعه، افتقاره للأدلَّة التي أيَّدت لزوم الوقف، وهو ما جعل تلميذه أبا يوسف يقول عند رجوعه عن رأي شيخه في هذه المسألة: "لو بلغ أبا حنيفة لقال به"[6]. أي لو علم أبو حنيفة ما عَلِمَه أبو يوسف من الأدلَّة الشرعيَّة التي افتقدها من قبل، لرجع إلى القول بجواز الوقف، وهذا الأمر من الأدب الظاهر مع الإمام أبي حنيفة رحمه الله رغم مماته؛ ثم إنه تواضع أمام الأدلَّة التي عاينها، ومن ثم انصياعه لها.
ومن ثَمَّ وجدنا المتأخِّرين من فقهاء الحنفيَّة يُجِيزُون الوقف، ويُؤَوِّلون رأي أبي حنيفة السابق؛ وذلك لِمَا رَأَوْا من الأدلَّة الصريحة في السُّنَّة النبويَّة، وكذا الإجماع المتواتر على مرِّ السنين من الفقهاء أصحاب المذاهب المختلفة، فرأينا البَابَرْتِيَّ يقول عن الوقف: "والأصح أنه جائز عنده -أي عند أبي حنيفة- إلاَّ أنه غير لازم بمنزلة العارية، وعندهما -أي أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني- حَبْسُ العين على حُكْمِ مِلْكِ الله تعالى؛ فيزول مِلْكُ الواقف عنه إلى الله تعالى على وجهٍ تعود منفعته إلى العباد، فيلزمُ ولا يُباع ولا يُوهَب ولا يورث"[7].
بل صرَّح بعض فقهاء الحنفيَّة بلزوم الوقف دون تأويل لِمَا قاله الإمام أبو حنيفة رحمه الله، ومن جملة هؤلاء أَبو بكر بن مسعود الكاشاني[8] الذي قال: "لا خلاف بين العلماء في جواز الوقف في حقِّ وجوبِ التَّصَدُّق بالفرع ما دام الوقف حيًّا، حتى إنَّ مَنْ وقف داره أو أرضه يلزمه التصدُّق بِغَلَّةِ الدار والأرض، ويكون ذلك بمنزلة النذر بالتَّصَدُّق بالغَلَّة"[9].
ومن الأدلَّة التي ذكرها إبراهيم بن موسى الطرابلسي[10]، والتي دلَّلَتْ على مشروعيَّة الوقف وجوازه، ما ذكره عن ابن كعب القُرظي[11]، بقوله: "كانت الحبس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة حوائط في المدينة... وقد حبس المسلمون بعده على أولادهم وأولاد أولادهم، وقد حبس أبو بكر رضي الله عنه رباعًا له بمكة وتركها، فلا نعلم أنها وُرِثَتْ عنه، ولكن يسكنها مَنْ حَضَر من وَلَدِ ولده ونسله بمكة، ولم يتوارثوها، فإمَّا أن تكون صدقة موقوفة، أو تركوها على ما تركها أبو بكر رضي الله عنه ، وكرهوا مخالفة فعله فيها، وهذا عندنا شبيهٌ بالوقف، وهي مشهورة بمكة"[12].
ولم يكن أبو يوسف رحمه الله الذي انفرد في تاريخ التشريع الإسلامي بمخالفة رأي شيخه أبي حنيفة رحمه الله؛ فالاختلافات الفقهيَّة أو بالأحرى الاجتهادات تكاد لا تُحصى في المؤلفات الفقهيَّة المتنوِّعة؛ مما يُؤَكِّد على المرونة الرائعة التي اتصفت بها الحضارة الإسلامية في جانب الفكر والتنظير، فضلاً عن التشريع نفسه، فكما خالف أبو يوسف أبا حنيفة في مشروعيَّة الأوقاف ولزومها، فإننا نجد الإمام ابن القيم[13] رحمه الله يخالف رأي شيخه وأستاذه ابن تيمية رحمه الله في مسألة تأجير الوقف لمدَّة طويلة على ما مرَّ بنا في تأجير الوقف؛ فقد رأى ابن القيم أن ذلك قد يخالف شروط الواقف، ويمنع تحقق المصلحة المرجوَّة من الوقف للمستحِقِّين، فقال: "ومن الحيل الباطلة: تحايلهم على إيجار الوقف مائة سنة مثلاً، وقد شرط الواقف ألاَّ يُؤَجَّر أكثر من سنتين أو ثلاثٍ؛ فيؤجّره المدَّة الطويلة في عقود متفرِّقة في مجلس واحد، وهذه الحيلة باطلة قطعًا، فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتِّبَة على طول مدَّة الإجارة، فإنها مفاسد كثيرة جدًّا، وكم قد مُلِكَ من الوقوف بهذه الطرق وخرج عن الوقفيَّة بطول المدَّة واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنين بعد سنين! وكم فات البطون اللواحق (الأجيال اللاحقة) من منفعة الوقف بالإيجار الطويل! وكم أُجّر الوقف بدون إجارة مِثْلِهِ لطول المدَّة وقبض الأجرة! وكم زادت أجرة الأرض أو العقار أضعاف ما كانت، ولم يتمكَّن الموقوف عليه من استيفائها! وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العدَّ، والواقف إنما قصد دفعها، وخشي منها بالإجارة الطويلة، فصرَّح بأنه لا يؤجّر أكثر من تلك المدَّة التي شرطها، فإيجاره أكثر منها -سواء كان في عقد أم عقود- مُخَالَفَةٌ صريحة لشرطه، مع ما فيها من المفسدة بل المفاسد العظيمة، ويا لله العجب! هل تزول هذه المفاسد بتعدُّد العقود في مجلس واحد؟! وأي غرض للعاقل أن يمنع الإجارة لأكثر من تلك المدَّة ثم يُجَوِّزها في ساعة واحدة في عقود متفرِّقة؟! وإذا أجَّره في عقود متفرِّقة أكثر من ثلاث سنين، أيصحُّ أن يقال: وَفَّى بشرط الواقف ولم يخالفه؟ هذا مِنْ أَبطلِ الباطل وأقبح الحيل، وهو مخالف لشرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه"[14].
إن هذا الملمح الرائع الذي نراه من مخالفة التلميذ لرأي أستاذه، ما هو إلا دليل على عظمة فقهاء المسلمين، ومن ثَمَّ روعة التشريع الإسلامي؛ فكلٌّ من أبي يوسف وابن القيم -رحمهما الله- لم يخالف شيخه لمجرَّد الخلاف؛ حتى يُشار إليه بالبنان ويُقال: لقد خالف شيخه. لكنهما رأَيَا أن مصالح الشريعة الغراء مُقَدَّمة على الانصياع لرأي الشيخ مهما كان الأمر؛ كما أنه يُؤَكِّد على حُرّية الفكر، وعدم التقيُّد أو الجمود على رأي مُعَيَّنٍ كما هو الحال عند كثير من المسلمين اليوم!

طلب الحق

 
إن المسلم الصادق ينشد الحقيقة ويفر من الخديعة ، همّه بلوغ الحق سواء على يده أو على يد محاوره فالحكمة ضالته .

وقد انتقدت امرأة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في مسألة تحديد المهور وهو في خطبته على ملأ من الناس، فقال : أصابت امرأة وأخطأ عمر فحفظ التاريخ روعة ذلك الحدث لعمر _ رضي الله عنه – ونُسيت بل حتى لم يذكر المؤرخون اسم تلك المرأة التي استطاعت أن تصوب قرار الخليفة !!

قال الإمام الشافعي :
" ما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه ".

وقال أبو حامد الغزالي:
" أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه،ويرى رفيقه معيناً لا خصماً،ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق".

ومن طلب الحق أن تضع نفسك مكان محاورك وتبحث في الأسباب المحتملة لحيدته عن الحق .

ولا نرفض الحق إن جاءنا من غير المسلم حتى لو كان في أمر ديننا فما بالك إن جاءنا من إخواننا في أمور دنيانا، فعن قتيلة بنت صيفي الجهينية قال : أتى حبر من أحبار اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، نعم القوم أنتم ، لولا أنكم تشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله وما ذاك ؟! " قال : تقولون إذا حلفتم والكعبة . قالت : فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال : " إنه قد قال ، فمن حلف فليحلف برب الكعبة " قال : يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله نداً ، قال صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله ، وما ذاك ؟! قال تقولون ما شاء الله وشئت . قالت فأمهل رسول الله صلى الله شيئاً ثم قال : " إنه قد قال ، فمن قال : ما شاء الله فليفصل بينهما ثم شئت ".

ومما يبتلى به بعض الناس حب الحديث لحاجة وبدون حاجة ، وشهوة السيطرة على المجالس ، وإظهار البراعة والثقافة ، وانتزاع الإعجاب وانتظار الثناء من الآخرين ، وهذا ولا شك مما يحبط أعمالهم وقلما يجدون به القبول عند الناس.

قال الشاعر أحمد شوقي :
إذا رأيت الهوى في أمة حكماً ** فأحكم هنالك أن العقل قد ذهبا

ولذلك حبذا لو راجع الدعاة إلى الله أنفسهم من وقت لآخر ، لأن وظيفتهم التي شرفهم الله بها تعتمد في أصلها على الحوار . ولقد فطن لذلك عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – بقوله : " والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان " .

كما يجب أن نتذكر أن هوى النفس لا يأتي عرياناً بل مزخرفاً بألفاظ النية الخالصة : " إحقاقاً للحق أقول " .. " انتصاراً للأمة " .. ثم يندس هواه بعد ذلك من حيث يعلم أو لا يعلم .

ولذلك ينبغي للمحاور أن يقف مع نفسه قبل كل حوار وقفتين :
• هل نيتي خالصة لله في هذا الحوار .

فإن غلب على ظنه أن نيته خالصة ، وقف وقفته الثانية :
• هل هناك فائدة ترجى من هذا الحوار ؟ أم لعله يثير فتنة ، أو مدعاة لترف فكري من غير ضرورة، أم أن تركه خير من نتيجته المرجوة في أحسن الأحوال .

ومن نصائح الرسول صلى الله لأبي ذر الغفاري :
" عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان ، وعون لك على أمر دينك "

ولكن يا تُرى لو خلصت النية في حوار مفيد ، ثم طرأ عليها عارض من الشيطان ، هل يحجم عن الحوار أم يستمر فيه ؟

لا ريب أن هذا من مداخل الشيطان ، بل عليه أن يستمر ، ويدعوا الله أن يخلص له قصده.

بقلم: الدكتور طارق الحبيب

Monday, July 29, 2013

أين أنا بين أهل الدنيا وأهل الآخرة


(إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ*أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)   ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) ـ (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) ـ (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)
حب الدنيا والاطمئنان لها ونسيان الآخرة يترتب عليه كسب  يستحق به صاحبه دخول النار
إن طالب الدنيا لا يهمه إلا قضاء شهواته ولذاته والوصول إلى أطماعه دون قيود ولا ضوابط فهو وراء المرأة والخمر والكسب الحرام 00000 إلخ
  ـ روى أن رسول الله r مر على شاة ميتة فقال " أترون هذه الشاة هينة على أهلها؟ قالوا: من هونها ألقوها قال : " والذي نفسي بيده الدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء " { كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل}  ـ وقال النبي r { الدنيا سجن المؤمن وجنةالكافر} ـ وقوله {ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه فياليم، فلينظر بم يرجع}ـ {اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصاً،ولا يزدادون من الله إلا بعداً}
ـ والدنيا والآخرة عبارة عن حالتين القريب منك الداني يسمى الدنيا ، والمتراخي  المتأخر يسمى الآخرة
حياة الأشقياء في الدنيا:
في شقاء وتعب وصدورهم ضيقة لأن قلوبهم لم تخلص إلى اليقين والهدى وإن تنعم ظاهرهم فلبسوا ما شاؤوا وأكلوا ما شاؤوا وسكنوا حيث شاؤوا... قال تعالى:{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةًضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}
أولا : مظاهر حب الدنيا والبعد عن الآخرة :
 (1)الوقوع في المعاصي وارتكاب المحرمات: ومن العصاة من يرتكب معصية يصر عليها ومنهم من يرتكب أنواعا من المعاصي, وكثرة الوقوع فيالمعصية يؤدي إلى تحولها عادة مألوفة ثم يزول قبحها من القلب تدريجا حتى يقع العاصيفي المجاهرة بها ويدخل في حديث:( كل أمتي معافي إلا المجاهرين, وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا, وكذا, وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه) رواه البخاري.
 (2) الشعور بقسوة القلب وخشونته: حتى ليحس الإنسان أن قلبه قد انقلب حجرا صلدا لا يشرح منه شيء ولا يتأثر بشيء, والله جل وعلا يقول: { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة } وصاحب القلب القاسي لا تؤثر فيه موعظة الموت ولا ؤية الأموات ولا الجنائز, وربما حمل الجنازة بنفسه, وواراها بالتراب, ولكن سيره بين القبور كسيرة بين الأحجار.
  (3)عدم إتقان العبادات: ومن ذلك شرود الذهن ثناء الصلاة, وتلاوة القرآن والأدعية ونحوها, وعدم التدبر والتفكر في معاني الأذكار, فيقرؤها بطريقة رتيبة مملة هذا إذا حافظ عليها, ولو اعتاد أن يدعو بدعاء معين في وقت معين أتت به السنة فإنه لا يفكر في معاني هذا الدعاء: (.... لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه )  رواه الترمذي.
 (4)  التكاسل عن الطاعاتوالعبادات واضعاتها : وإذا أداهما فإنما هي حركات جوفاء لا روح فيها والعياذ بالله, وقد وصف الله-عز وجل- المنافقين بقوله:{ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى } ويدخل في ذلك عدم الاكتراث لفوات مواسم الخير وأوقات العبادة وهذا يدل على عدم اهتمام الشخص بتحصيل الأجر. فقد يؤخر الحج وهو قادر ويتفارط الغزو وهو قاعد, ويتأخر عن صلاة الجماعة ثم عن صلاة الجمعة وقد قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ( لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول يخلفهم الله في النار) رواه أبو داود. ومثل هذا لا يشعر بتأنيب الضمير إذا نام عن الصلاة المكتوبة, وكذا لو فاته سنة راتبة أو ورد من أوراده فإنه لا يرغب في قضائه ولا تعويض ما فاته, وكذا يتعمد تفويت كل ما هو سنة أو من فروض الكفاية, فربما لا يشهد صلاة العيد(مع قول بعض أهل العلم بوجوب شهودها) ولا يصلي الكسوف والخسوف, ولا يتهم بحضور الجنازة ولا الصلاة عليها, فهو راغب عن الأجر, مستغن عنه على النقيض ممن وصفهم الله بقوله:  { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } ومن مظاهر التكاسل في الطاعات, التكاسل عن فعل السنن الرواتب, وقيام الليل, والتبكير إلى المساجد وسائر النوافل فمثلا صلاة الضحى لا تخطر له ببال فضلا عن ركعتي التوبة وصلاة الاستخارة.
(5)ضيق الصدر وتغير المزاج وانحباس الطبع: حتى كأن على الإنسان ثقلاً كبيراً ينوء به ، فيصبح سريع التضجر والتأفف من أدنى شيء ، ويشعر بالضيق من تصرفات الناس حوله وتذهب سماحة نفسه ، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ، الإيمان بقوله : ( الإيمان : الصبر والسماحة )
6- عدم التأثر بآيات القرآن : لا بوعده ولا بوعيده ولا بأمره ولا نهيه ولا في وصفه للقيامة ، فضعيف الإيمان يمل من سماع القرآن ، ولا تطيق نفسه مواصلة قراءته فكلما فتح المصحف كاد أن يغلقه .
7- الغفلة عن الله عز وجل في ذكره ودعائه سبحانه وتعالى : فيثقل الذكر على الذاكر ، وإذا رفع يده للدعاء سرعان ما يقبضهما ويمضي وقد وصف الله المنافقين بقوله : ( ولا يذكرون الله إلا قليلاً )
8- ومن مظاهر ضعف الإيمان : عدم الغضب إذا انتهكت محارم الله عز وجل لأن لهب الغيرة في القلب قد انطفأ فتعطلت الجوارح عن الإنكار فلا يأمر صاحبه بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يتمعر وجهه قط في الله عز وجل ، والرسول صلى الله عليه وسلم يصف هذا القلب المصاب بالضعف بقوله في الحديث الصحيح : ( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها } أي : دخلت فيه دخولاً تاماً { نكت فيه نكتة سوداء } أي : نقط فيه نقطة            { حتى يصل الأمر إلى أن يصبح كما أخبر عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث : ( أسود مربادا } بياض يسير يخالطه السواد { كالكوز مجخياً } مائلاً منكوساً { لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه )
9- حب الظهور: الرغبة في الرئاسة والإمارة وعدم تقدير المسؤولية والخطر ، وهذا الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بقوله : ( إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئس الفاطمة )  ( قوله : نعم المرضعة أي أولها لأن معها المال والجاه واللذات ، وقوله : بئس الفاطمة أي : آخرها لأن معه القتل والعزل والمطالبة بالتبعات يوم القيامة )
10- محبة تصدر المجالس : والاستئثار بالكلام وفرض الاستماع على الآخرين وأن يكون الأمر له ، وصدور المجالس هي المحاريب التي حذرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( اتقوا هذه المذابح - يعني المحاريب - )
 11- محبة أن يقوم له الناس إذا دخل عليهم : لإشباع حب التعاظم في نفسه المريضة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سره أن يمثل } أي ينتصف ويقوم { له عباد الله قياماً فليتبوأ بيتاً من النار ) رواه البخاري
12- الشح والبخل : ولقد مدح الله الأنصار في كتابه فقال : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) وبين أن المفلحين هم الذين وقوا شح أنفسهم ولا شك أن ضعف الإيمان يولد الشح بل قال عليه الصلاة والسلام : ( لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً ) أما خطورة الشح وآثاره على النفس فقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :
( إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح ، أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا )
13- أن يقول الإنسان ما لا يفعل : قال الله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون )
14- احتقار المعروف : وعدم الاهتمام بالحسنات الصغيرة وقد علمنا صلى الله عليه وسلم أن لا نكون كذلك فقد روى الإمام أحمد رحمه الله عن أبي جري الهجيمي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت يا رسول الله ؟ إنا قوم من أهل البادية فعلمنا شيئاً ينفعنا الله تبارك وتعالى به فقال : ( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي ، ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسطاً )
15- عدم الاهتمام بقضايا المسلمين ولا التفاعل معها بدعاء ولا صدقة ولا إعانة : فهو بارد الإحساس تجاه ما يصيب إخوانه في بقاع العالم من تسلط العدو والقهر والاضطهاد والكوارث ، فيكتفي بسلامة نفسه ، وهذا نتيجة ضعف الإيمان ، فإن المؤمن بخلاف ذلك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس )
16- الفزع والخوف عند نزول المصيبة أو حدوث مشكلة : فتراه مرتعد الفرائص ، مختل التوازن ، شارد الذهن ، شاخص البصر ، يحار في أمره عندما يصاب بملمة أو بلية فتنغلق في عينيه المخارج وتركبه الهموم فلا يستطيع مواجهة الواقع بجنان ثابت ، وقلب قوي وهذا كله بسبب ضعف إيمانه ، ولو كان إيمانه قوياً لكان ثابتاً ، ولواجه أعظم الملمات وأقسى البليات بقوة وثبات .
17- التعلق بالدنيا ، والشغف بها ، والاسترواح إليها : فيتعلق القلب بالدنيا إلى درجة يحس صاحبه بالألم إذا فاته شيء من حظوظها كالمال والجاه والمنصب والمسكن ، ويعتبر نفسه مغبوناً سيء الحظ لأنه لم ينل ما ناله غيره ، ويحس بألم وانقباض أعظم إذا رأى أخاه المسلم قد نال بعض ما فاته هو من حظوظ الدنيا ، وقد يحسده ، ويتمنى زوال النعمة عنه ، وهذا ينافي الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد )
18- المغالاة في الاهتمام بالنفس مأكلاً ومشرباً وملبساً ومسكناً ومركباً : فتجده يهتم بالكماليات اهتماماً بالغاً ، فينمق هندامه ويجهد نفسه بشراء الرقيق من اللباس ويزوق مسكنه وينفق الأموال والأوقات في هذه التحسينات ، وهي مما لا ضرورة له ولا حاجة - مع أن من إخوانه المسلمين من هم في أشد الحاجة لهذه الأموال - ويعمل هذا كله حتى يغرق في التنعيم والترفه المنهي عنه كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأوصاه فقال : ( إياك والتنعيم ، فإن عباد الله ليسو بالمتنعمين )
ثانياً : أسباب ضعف الإيمان حب الدنيا والبعد عن الآخرة :
1- الابتعاد عن الأجواء الإيمانية فترة طويلة : وهذا مدعاة لضعف الإيمان في النفس ، يقول الله عز وجل :  ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ). فدلت الآية الكريمة على أن : طول الوقت في البعد عن الأجواء الإيمانية مدعاة لضعف الإيمان في القلب ، فمثلاً : الشخص الذي يبتعد عن إخوانه في الله لفترة طويلة لسفر أو وظيفة ونحو ذلك فإنه يفتقد الجو الإيماني الذي كان يتنعم في ظلاله ، ويستمد منه قوة قلبه والمؤمن قليل بنفسه كثير بإخوانه ، يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى : ( إخواننا أغلى عندنا من أهلينا فأهلونا يذكروننا الدنيا ، وإخواننا يذكروننا بالآخرة )
2- الابتعاد عن القدوة الصالحة : فالشخص الذي يتعلم على يدي رجل صالح يجمع بين العلم النافع والعمل الصالح وقوة الإيمان ، يتعاهده ويحذيه مما عنده من العلم والأخلاق والفضائل ، لو ابتعد عنه فترة من الزمن فإن المتعلم يحس بقسوة في قلبه ، ولذلك لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووري التراب قال الصحابة : ( فأنكرنا قلوبنا ) ، وأصابتهم وحشة لأن المربي والمعلم والقدوة عليه الصلاة والسلام قد مات ، وجاء وصفهم أيضاً في بعض الآثار
 ( كالغنم في الليلة الشاتية المطيرة ) ولكنه عليه الصلاة والسلام ترك فيمن ترك وراءه جبالاً كل منهم يصلح للخلافة وصار بعضهم لبعض قدوة ، أما اليوم فالمسلم في أشد الحاجة إلى قدوة يكون قريباً منه .
3- الابتعاد عن طلب العلم الشرعي : والاتصال بكتب السلف والكتب الإيمانية التي تحيي القلب ، فهناك أنواع من الكتب يحس القارئ بأنها تستثير في قلبه الإيمان ، وتحرك الدوافع الإيمانية الكامنة في نفسه وعلى رأسها كتاب الله تعالى وكتب الحديث ثم كتب العلماء المجيدين في الرقائق والوعظ والذين يحسنون عرض العقيدة بطريقة تحيي القلب .
4- وجود الإنسان المسلم في وسط يعج بالمعاصي : فهذا يتباهى بمعصية ارتكبها وآخر يترنم بألحان أغنية وكلماتها وثالث يدخن ورابع يبسط مجلة ماجنة وخامس لسانه منطلق باللعن والسباب والشتائم وهكذا ، أما القيل والقال والغيبة والنميمة وأخبار المباريات فمما لا يحصى كثرة .
5- الإغراق في الاشتغال بالدنيا حتى يصبح القلب عبداً لها :الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( تعس عبد الدينار ، وعبد الدرهم ) . ويقول عليه الصلاة والسلام : ( إنما يكفي أحدكم ما كان في الدنيا مثل زاد الراكب ) يعني الشيء اليسير الذي يبلغه المقصود . وهذه الظاهرة واضحة في هذه الأيام التي عم فيها الطمع المادي والجشع في الازدياد من حطام الدنيا وصار الناس يركضون وراء التجارات والصناعات والمساهمات وهذا مصداق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل قال : إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون إليه ثان ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب )
6- الانشغال بالمال والزوجة والأولاد:
يقول الله عز وجل : ( واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ).
ويقول عز وجل : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) ومعنى هذه الآية أن حب هذه الأشياء وفي مقدمتها النساء والبنون إذا كان مقدماً على طاعة الله ورسوله فإنه مستقبح مذموم صاحبه ، أما إن كان حب ذلك على وجهه الشرعي المعين على طاعة الله فهو محمود صاحبه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( حبب إليّ من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة ).وكثير من الناس ينساق وراء الزوجة في المحرمات وينساق وراء الأولاد منشغلاً عن طاعة الله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الولد محزنة مجبنة مجهلة مبخلة )
7- طول الأمل : قال الله تعالى : ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون) وقال علي رضي الله عنه :
   ( إن أخوف ما أخاف عليكم إتباع الهوى وطول الأمل فأما إتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة ) .وجاء في الأثر : ( أربعة من الشقاء جمود العين وقسوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا ) " ويتولد من طول الأمل الكسل عن الطاعة والتسويف والرغبة في الدنيا والنسيان للآخرة والقسوة في القلب لأن رقته وصفاءه إنما يقع بتذكير الموت والقبر والثواب والعقاب وأهوال القيامة كما قال تعالى : ( فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ) وقيل : من قصر أمله قل همه وتنور قلبه لأنه إذا استحضر الموت اجتهد في الطاعة … "
8-  قسوة القلب : ( الإفراط في الأكل والنوم والسهر والكلام والخلطة ، فكثرة الأكل تبلد الذهن وتثقل البدن عن طاعة الرحمن وتغذي مجاري الشيطان في الإنسان وكما قيل : " من أكل كثيراً شرب كثيراً فنام كثيراً وخسر أجراً كبيراً " فالإفراط في الكلام يقسي القلب ، والإفراط في مخالطة الناس تحول بين المرء ومحاسبة نفسه والخلوة بها والنظر في تدبير أمرها ، وكثرة الضحك تقضي على مادة الحياة في القلب فيموت ، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : ( لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب )
ثالثا :علاج حب الدنيا والبعد عن الآخرة :
1- تدبر القرآن العظيم الذي أنزله الله عز وجل تبياناً لكل شيء ونوراً يهدي به سبحانه من شاء من عباده ، ولا شك أن فيه علاجاً عظيماً ودواء فعالاً قال الله عز وجل : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) أما طريقة العلاج فهي التفكر والتدبر . ( وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يتدبر كتاب الله ويردده وهو قائم بالليل ، حتى إنه في إحدى الليالي قام يردد آية واحدة من كتاب الله ، وهو يصلي لم يجاوزها حتى أصبح وهي قوله تعالى : { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم }
2- استشعار عظمة الله عز وجل ، ومعرفة أسمائه وصفاته ، والتدبر فيها ، وعقل معانيها ، واستقرار هذا الشعور في القلب وسريانه إلى الجوارح لتنطق عن طريق العمل بما وعاه القلب فهو ملكها وسيدها وهي بمثابة جنوده وأتباعه فإذا صلح صلحت وإذا فسد فسدت .
3- طلب العلم الشرعي : وهو العلم الذي يؤدي تحصيله إلى خشية الله وزيادة الإيمان به عز وجل كما قال الله تعالى :
 ( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ ) فلا يستوي في الإيمان الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، فكيف يستوي من يعلم تفاصيل الشريعة ومعنى الشهادتين ومقتضياتهما وما بعد الموت من فتنة القبر وأهوال المحشر ومواقف القيامة ونعيم الجنة وعذاب النار وحكمة الشريعة في أحكام الحلال والحرام وتفصيل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وغير ذلك من أنواع العلم كيف يستوي هذا في الإيمان ومن هو جاهل بالدين وأحكامه وما جاءت به الشريعة من أمور الغيب ، حظه من الدين التقليد وبضاعته من العلم مزجاة ، ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) .
4- لزوم حلق الذكر وهو يؤدي إلى زيادة الإيمان لعدة أسباب منها ما يحصل فيها من ذكر الله ، وغشيان الرحمة ، ونزول السكينة ، وحف الملائكة للذاكرين ، وذكر الله لهم في الملأ الأعلى ، ومباهاته بهم الملائكة ، ومغفرته لذنوبهم ، كما جاء في الأحاديث الصحيحة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده )
5- الاستكثار من الأعمال الصالحة وملء الوقت بها، وهذا من أعظم أسباب العلاج وهو أمر عظيم وأثره في تقوية الإيمان ظاهر كبير ، وقد ضرب الصديق في ذلك مثلاً عظيماً لما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم ، أصحابه ( من أصبح منكم اليوم صائماً ؟ قال أبو بكر أنا ، قال فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر أنا ، قال، فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً ، قال أبو بكر أنا ، قال فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر أنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة )
6- تنويع العبادات : من رحمة الله وحكمته أن نوع علينا العبادات فمنها ما يكون بالبدن كالصلاة ومنها ما يكون بالمال كالزكاة ومنها ما يكون بهما معاً كالحج ومنها ما هو باللسان كالذكر والدعاء وحتى النوع الواحد ينقسم إلى فرائض وسنن مستحبة والفرائض تتنوع وكذلك السنن مثل الصلاة فيها رواتب ثنتي عشرة ركعة في اليوم ومنها ما هو أقل منزلة كالأربع قبل العصر وصلاة الضحى ومنها ما هو أعلى كصلاة الليل .
7- الخوف من سوء الخاتمة ، لأنه يدفع المسلم إلى الطاعة ويجدد الإيمان في القلب ، أما سوء الخاتمة فأسبابها كثيرة منها : ضعف الإيمان والانهماك في المعاصي وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك صوراً مثل قوله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ - أي يطعن - بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه - أي يشربه في تمهل ويتجرعه- في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً )
8- الإكثار من ذكر الموت : يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أكثروا من ذكر هاذم اللذات يعني الموت )  وتذكر الموت يردع عن المعاصي ويلين القلب القاسي ولا يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه ومن أعظم ما يذكر بالموت زيارة القبور ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزيارتها فقال : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، ألا فزوروها فإنها ترق القلب ، وتدمع العين ، وتذكر الآخرة ، ولا تقولوا هجراً )
 9- التفاعل مع الآيات الكونية روى البخاري ومسلم وغيرهما : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه ) فقالت عائشة : يا رسول الله ، أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر ، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية ، فقال : ( يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا : ( هذا عارض ممطرنا )
10- التفكر في حقارة الدنيا حتى يزول التعلق بها من قلب العبد قال الله تعالى :( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلاً ، فانظر ما يخرج من ابن آدم وإن قزحه وملحه ، قد علم إلى ما يصير ). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
 ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو علماً أو متعلماً )                     
11 -  ومحاسبة النفس مهمة في تجديد الإيمان يقول جل وعلا : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا " ويقول الحسن لا تلقى المؤمن إلا وهو يحاسب نفسه، وقال ميمون بن مهران إن التقي أشد محاسبة لنفسه من شريك شحيح . وقال ابن القيم رحمه الله : وهلاك النفس من إهمال محاسبتها ومن موافقتها وإتباع هواها .
12 - دعاء الله عز وجل من أقوى الأسباب التي ينبغي على العبد أن يبذلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم ) . اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجدد الإيمان في قلوبنا ، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

القدر الليلة العظيمة التي شرفها الله


بسم الله الرحمن الرحيم

القدر هي الليلة العظيمة التي شرفها الله سبحانه وتعالى بقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَالَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِخَيْرٌمِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ . سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر].

سبب تسميتها بليلة القدر:
فقيل: لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله عزّ وجل وبيان إتقان صنعه وخلق .
وقيل: سميت ليلة القدر، من القدر وهو الشرف، كما تقول: فلان ذو قدر عظيم، أي: ذو شرف، لقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر].
وقيل: لأن للقيام فيها قدرًا عظيمًا ، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: {من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه} (صححه الألباني).

من فضائل ليلة القدر:
- أن الله أنزل فيها القرآن.
- أنها خير من ألف شهر.
-أن الله سبحانه وتعالى وصفها بأنها مباركة قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدخان:3]
- أن الملائكة تتنزل فيها، وهم لا ينزلون إلاَّ بالخير والبركة والرحمة.
- أنها سلام لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب بما يقوم به العبد من طاعة الله عز وجل.
- أن الله أنزل في فضلها سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة.
- أن من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.

متى تكون ليلة القدر؟
ليلة القدر في رمضان؛ روى الإمام أحمد والنسائي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: «يا رسول الله أخبرني عن ليلة القدر أهي في رمضان أم في غيره؟ قال: بل هي في رمضان».

وليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَحَرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (متفق عليه).

اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأولى من رمضان يريد ليلة القدر، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قيل: إنها في العشر الأواخر، وأريها صلّى الله عليه وسلّم، وأنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، وفي ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وكان معتكفًا صلّى الله عليه وسلّم فأمطرت السماء فوكف المسجد -أي: سال الماء من سقفه- وكان سقف مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم من جريد النخل؛ فصلى الفجر صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه، ثم سجد على الأرض، قال أبو سعيد: فسجد في ماء وطين حتى رأيت أثر الماء والطين على جبهته.. فتبيَّن بهذا أنها كانت في ذلك العام ليلة إحدى وعشرين.

• لفته : في أحد الرمضانات في السنوات الفائتة شعرت بليلة إحدى وعشرين أنها كانت ليلة مميزة وبراحة وطمأنينة عجيبة، فسألت أحد مشائيخي فأجاب أنها في تلك السنة شعروا بها في ليلة إحدى وعشرين.
وليلة القدر لا تختص بليلة معينة في جميع الأعوام بل تنتقل.
وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (رواه البخاري).
أي في ليلة: إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، والله أعلم.
وأرجاها عند أهل العلم: ليلة سبع وعشرين.
*وليلة القدر تكون في الأوتار وغير الأوتار.

الحكمة من إخفاء ليلة القدر:
رحمة للعباد؛ ليكثر عملهم في طلبها في تلك الليالي الفاضلة بالصلاة والذكر والدعاء؛ فيزدادوا قربة من الله وثوابًا.

سؤال وجواب:
سألت أمنا عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر، فما أقول فيها؟ قال: «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» ( صحيح، أعلام الموقعين لابن القيم).

ليلة القدر لها علامات تعرف بها منها:
1- قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة، وهذه العلامة في الوقت الحاضر لا يحس بها إلا من كان في البر بعيدًا عن الأنوار.
2- الطمأنينة، أي: طمأنينة القلب، وانشراح الصدر من المؤمن، فإنه يجد راحة وطمأنينة، وانشراح صدر في تلك الليلة، أكثر مما يجده في بقية الليالي.
3- قال بعض أهل العلم: إن الرياح تكون فيها ساكنة، أي: لا يأتي فيها عواصف أو قواصف، بل يكون الجو مناسبًا.
4- أن الله يُري الإنسانَ الليلةَ في المنام، كما حصل ذلك لبعض الصحابة.
5- أن الإنسان يجد في القيام لذة ونشاطًا، أكثر مما في غيرها من الليالي.
6- أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع صافية، ليست كعادتها في بقية الأيام.

إخواني:
اجتهدوا في طلب هذه الليلية الشريفة العظيمة المباركة، وقولوا بلسان العبد الفقير الخائف الذليل المنكسر بين يدي مولاه اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.